السيد حيدر الآملي

251

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

بقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سورة الأنعام : 59 ] . وأما موجودات اخر فكل ما في الوجود من العلويات والسفليات ، فإنه بنفسه كتاب إلهي ومصحف رباني لانتقاشه بصور كلمات اللّه وآياته جزئيا كان أو كليا ، ولأحكامه المسطورة عليه وأحواله الحادثة لديه بقلم المشيّة والتقدير ، وذلك لأن الوجود الإضافي الوحداني الإمكاني ، كتاب كلي مسطور بنقوش الموجودات والمخلوقات كلها ، وكل واحد واحد من تلك الموجودات ، إما بمثابة الكتاب أو الكلمات أو الحروف كما مرّ ذكره ، وعلى الكل يصدق أنه كتاب إلهيّ ومصحف ربانيّ لقول العارفين : وفي كل شيء له آية * تدلّ على أنه واحد [ قد مر ذكر شاعره ومرجعه في التعليقة 21 فراجع ] وقوله تعالى : وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [ سورة الطور : 1 - 3 ] . إشارة إلى الوجود الإضافي الوحداني وما انتقش عليه من صور الموجودات على سبيل الإضافة المسقطة عن درجة الاعتبار عند التوحيد الحقيقي لقولهم : التوحيد إسقاط الإضافات . وهذه دقيقة شريفة مخصوصة بالمستعدّين من أهل اللّه لا غير ، وأما المناسبة بين الوجود الإضافي وبين الرق فلوحدته في ذاته وسراحته في نفسه حين خلوّه عن الإضافات المنسوبة إليه ، لأنّه عند التحقيق كالهيولى القابلة للصّور والأشكال ، فالهيولى حين خلوّها عن الصور ، إن سمّيت بالرّق جاز . وإن سمّيت بالجوهر جاز ، لأنّ ذلك الوجود كالجوهر بالنسبة إلى الأعراض العارضة عليه ، ومعلوم أنّ بقاء الأعراض بدون وجود الجوهر محال ، وكأنّه تعالى إلى هذا الوجود المضاف أشار وقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ سورة النساء : 1 ] وفيه ما فيه من الأسرار . وأمّا قوله بالنسبة إلى الكتاب الكبير الآفاقي :